الامان الرقمي

يوليو 2026: النشرة القانونية لتبيان للحقوق والحريات

تقدم تبيان للحقوق والحريات في هذه النشرة الإخبارية الشهرية رصدًا لأبرز القضايا والتطورات القانونية والحقوقية خلال شهر يوليو 2026. وتتناول النشرة مستجدات قضايا الحبس الاحتياطي والمحاكمات، إلى جانب قراءة قانونية لمسار ملاحقة الأفراد بسبب نشاطهم الرقمي، والمسؤوليات المتتابعة لكل من الأجهزة الأمنية والنيابة العامة والقضاء. وتسعى تبيان من خلال هذا الرصد إلى توثيق الوقائع، وتبسيط أبعادها القانونية، وإبقاء هذه القضايا حاضرة أمام الرأي العام

أولًا: الدعم القانوني

خلال شهر يوليو 2026، أيدت محكمة جنح مستأنف التجمع الخامس حكم حبس الشاعر والكاتب أحمد دومة لمدة سنة، وأجلت دوائر الجنايات عددًا من المحاكمات، من بينها محاكمة صحفيين، ومحاكمة هبة الله رضا و70 آخرين في قضية «ديسكورد». كما أصدرت نيابة أمن الدولة العليا قرارات بحبس أو تجديد حبس 38 شخصًا، بينهم محاميان، ومخرج، ومعلم، وصحفي، و32 مواطنًا شيعيًا.

ثانيًا: موجز تحليلي للنشرة الشهرية

من الشاشة إلى قاعة المحكمة

كيف تتوزع أدوار الداخلية والنيابة والقضاء في القمع الرقمي؟

لا يبدأ القمع الرقمي بصدور حكم قضائي، ولا تتولاه جهة واحدة بصورة منفردة. فهو غالبًا مسار متكامل يبدأ برصد محتوى منشور على الإنترنت أو فحص حساب إلكتروني، ثم ينتقل إلى القبض على صاحبه وضبط أجهزته، قبل أن تتحول الواقعة إلى اتهامات جنائية وقرارات بالحبس الاحتياطي، وقد تنتهي بالإحالة إلى المحاكمة وصدور حكم بالإدانة.

تكشف القضايا التي تابعتها تبيان خلال يوليو 2026 عن هذا التتابع بوضوح. فقد ارتبطت عدة قرارات بالحبس أو تجديده بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو مقاطع فيديو، أو استخدام حسابات وتطبيقات رقمية. ولفهم المسؤولية عن هذه الملاحقات، يجب التمييز بين أدوار وزارة الداخلية والنيابة العامة والقضاء، وبين الضمانات التي يفترض أن تقيد سلطة كل جهة.

أولًا: وزارة الداخلية.. الرصد والضبط وبناء الملف الأول

تبدأ غالبية قضايا التعبير الرقمي من مرحلة جمع الاستدلالات، التي يتولاها مأمورو الضبط القضائي من ضباط الشرطة والجهات الأمنية المختصة. وطبقًا للمادتين 21 و24 من قانون الإجراءات الجنائية، يختص مأمورو الضبط القضائي بالبحث عن الجرائم ومرتكبيها، وجمع الاستدلالات اللازمة للتحقيق، وتلقي البلاغات والشكاوى، وإجراء المعاينات، والمحافظة على الأدلة، ثم إرسال المحاضر والمضبوطات إلى النيابة العامة.

في القضايا الرقمية، يشمل هذا الدور رصد المحتوى المتاح للعامة، وتحديد هوية القائمين على الحسابات، وتنفيذ أوامر القبض والتفتيش، وضبط الهواتف وأجهزة الحاسب، وإعداد التحريات والتقارير الفنية. كما تجيز المادة السادسة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لجهة التحقيق أن تصدر أمرًا مسببًا إلى مأموري الضبط المختصين بضبط البيانات أو جمعها أو التحفظ عليها أو تتبعها، لمدة محددة وفي نطاق جريمة يجري التحقيق بشأنها.

لكن هذه الصلاحيات ليست مطلقة. فالمادة 54 من الدستور المصري تحظر القبض أو التفتيش أو تقييد الحرية، في غير حالات التلبس، إلا بناءً على أمر قضائي مسبب. كما تحمي المادة 57 سرية المراسلات الإلكترونية والمحادثات ووسائل الاتصال، ولا تجيز الاطلاع عليها أو مراقبتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة.

يتحول دور الداخلية إلى مدخل للقمع الرقمي عندما يصبح التعبير عن الرأي، في حد ذاته، سببًا للرصد والملاحقة؛ أو عندما تُفتش الأجهزة والحسابات خارج نطاق الإذن الصادر؛ أو تُجمع محادثات وصور وبيانات شخصية لا ترتبط بالواقعة محل التحقيق؛ أو تُعامل التحريات الأمنية باعتبارها دليلًا نهائيًا على ارتكاب الجريمة. فالتحريات ومحاضر جمع الاستدلالات قد تبدأ بها القضية، لكنها لا تثبت وحدها أن الحساب يخص المتهم، أو أنه كتب المحتوى محل الاتهام، أو أن هذا المحتوى يشكل جريمة محددة.

 

ثانيًا: النيابة العامة.. تحويل الاشتباه الأمني إلى اتهام جنائي

تمثل النيابة العامة حلقة محورية بين القبض والمحاكمة. فوفقًا للمادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية، تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها، ولا تُرفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون. كما لا يجوز ترك الدعوى الجنائية أو وقفها أو تعطيل سيرها إلا في الأحوال التي يحددها القانون.

في هذه المرحلة، تتحول عبارات أو صور أو مقاطع فيديو إلى اتهامات قانونية، مثل «نشر أخبار كاذبة»، أو «إساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي»، أو «استخدام موقع إلكتروني لارتكاب جريمة»، أو «الانضمام إلى جماعة إرهابية». وتكمن خطورة هذه المرحلة في أن بعض هذه الاتهامات تُصاغ بعبارات واسعة، من دون تحديد المنشور محل الاتهام، أو بيان مضمونه وتاريخ نشره، أو توضيح الصلة بينه وبين الجريمة المدعى ارتكابها.

كذلك، لا تكتسب الصور المطبوعة أو لقطات الشاشة أو التقارير الفنية حجية تلقائية لمجرد تقديمها في التحقيق. فالمادة 11 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تمنح الدليل الرقمي حجية الدليل المادي بشرط استيفائه الضوابط الفنية المقررة. ويقتضي ذلك إثبات مصدر الدليل، وسلامة استخراجه وحفظه، وعدم العبث به، وصلته المباشرة بالواقعة، فضلًا عن إثبات نسبة الحساب أو الجهاز إلى المتهم.

أما الحبس الاحتياطي، فليس عقوبة ولا يجوز استخدامه لمعاقبة المتهم قبل المحاكمة. وقد حددت المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية دواعيه، ومنها الخشية من الهروب أو العبث بالأدلة أو التأثير في الشهود، كما أوجبت المادة 136 بيان الأسباب التي بُني عليها قرار الحبس. ومن ثم، فإن تكرار تجديد الحبس بعبارات عامة، من دون بيان خطر حقيقي على التحقيق، يحول الإجراء الاحترازي إلى عقوبة فعلية تسبق الحكم.

ظهر ذلك خلال يوليو في قرارات متكررة بتجديد حبس أشخاص على خلفية نشاطهم الرقمي، من بينهم خالد محمد علي مخيمر، والمعلم محمد عبد الكريم محمد زهران، ونائل حسن.

ثالثًا: القضاء.. ضمانة أخيرة أم إضفاء للمشروعية؟

يتدخل القضاء في مرحلتين أساسيتين. الأولى عند نظر استمرار الحبس الاحتياطي أو الطعن عليه، والثانية عند إحالة القضية إلى المحاكمة والفصل في الاتهامات.

عند نظر تجديد الحبس، لا يقتصر دور المحكمة على إثبات استمرار التحقيق، بل يجب عليها فحص مدى توافر مبررات الحبس، والاستماع إلى دفاع المتهم، وتقييم ما إذا كان استمرار سلب حريته ضروريًا. وتجيز المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية للمحكمة إما مد الحبس إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، أو الإفراج عن المتهم بكفالة أو من دونها.

 

أما عند المحاكمة، فالمحكمة غير ملزمة بما ورد في محاضر جمع الاستدلالات أو التحقيقات الابتدائية. وطبقًا للمادتين 300 و302 من قانون الإجراءات الجنائية، يجب أن يتكون اقتناع القاضي من الأدلة المطروحة أمامه في الجلسة. وإذا كانت الواقعة غير ثابتة أو لا يعاقب عليها القانون، تلتزم المحكمة بالحكم بالبراءة وفقًا للمادة 304.

وفي القضايا الرقمية، يعني ذلك أن على المحكمة التحقق من مشروعية ضبط الهاتف أو الحساب، وسلامة الدليل الرقمي، ونسبته إلى المتهم، وتوافر عناصر الجريمة والقصد الجنائي، وعدم الاكتفاء بتحريات أمنية أو صور منشورات مجهولة المصدر. كما يجب عليها التمييز بين التعبير الذي قد يكون صادمًا أو ناقدًا أو مخالفًا للرأي السائد، وبين المحتوى الذي يستوفي بالفعل أركان جريمة محددة.

يتحول القضاء إلى جزء من سلسلة القمع عندما تُمدد فترات الحبس بصورة آلية، أو تُقبل الاتهامات الفضفاضة من دون تحديد دقيق للفعل المؤثم، أو يُعتمد على تحريات وتقارير فنية لم يتمكن الدفاع من فحصها ومناقشتها، أو تُفرض عقوبات سالبة للحرية على ممارسة تدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير المكفولة بالمادة 65 من الدستور.

مسؤولية مترابطة لا قرار منفرد

تكشف قضايا التعبير الرقمي عن مسار مؤسسي متتابع: ترصد الداخلية أو النيابة محتوى على الإنترنت، وتحدد الأجهزة الأمنية صاحبه وتنفذ القبض والتفتيش، ثم تتبنى النيابة توصيفًا جنائيًا للمحتوى وتقرر الحبس أو الإحالة، وأخيرًا يراجع القضاء الحبس ويفصل في الاتهامات.

وفي كل مرحلة توجد فرصة لوقف الانتهاك: تستطيع الداخلية الامتناع عن ملاحقة التعبير المشروع والالتزام بحدود أوامر الضبط؛ وتستطيع النيابة استبعاد التحريات غير الجدية وإخلاء سبيل المتهم وعدم إحالة الوقائع التي لا تشكل جريمة؛ ويستطيع القضاء رفض تمديد الحبس واستبعاد الأدلة غير المشروعة والحكم بالبراءة.

لذلك، لا تُقاس حماية الحرية الرقمية بعدد القوانين التي تجرّم الاعتداءات الإلكترونية، وإنما بمدى التزام مؤسسات إنفاذ القانون بحدود سلطاتها، وبقدرتها على التمييز بين الجريمة الحقيقية ومجرد ممارسة الحق في التعبير. فحين تغيب هذه الحدود، يتحول النشاط الرقمي العادي من منشور أو رسالة أو مقطع فيديو إلى مدخل لسلسلة طويلة من القبض والحبس والمحاكمة.

زر الذهاب إلى الأعلى