العدالة الجنائية و القانونحرية التعبير الرقمي

الحدود القانونية للمراقبة الرقمية: تعارض ممارسات الضبط القضائي مع الضمانات الدستورية والدولية (دراسة تطبيقية)

مقدمة

يشهد المجال العام في مصر في السنوات الأخيرة تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي كمساحة أساسية للتعبير عن الرأي، والنقاش السياسي والتنظيم والحشد، في مقابل انحسار دور المساحات المادية التقليدية. استجابت السلطات لهذا التحول الملحوظ بتطوير منظومة رقابية متعددة الأطراف، اعتمدت الرصد الرقمي كآلية لمتابعة أنشطة الرأي والتعبير عبر الفضاء الرقمي، وأدت عمليًا إلى توسع ممنهج في ملاحقة المعارضين والنشطاء والمواطنين، وتطبيع عقوبات سالبة للحرية بناءً على تعبيرهم الرقمي. وفي هذا الإطار، لا تُمثل وزارة الداخلية فاعلاً منفصلاً، بل هي الجهة التنفيذية والحلقة الإجرائية الأخيرة لمنظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة صُممت لإدارة الفضاء الرقمي وفرض الرقابة عليه.

ويمكن فهم آليات هذه المنظومة وتأصيلها الفلسفي والتاريخي عبر ثلاثة أبعاد رئيسية. ويفسر أولها الطبيعة الهيكلية للمراقبة بأنها تعيد إنتاج الفضاء الافتراضي كبنية السجن المثالي الذي يضع المستخدم تحت عين رقابة دائمة ومجهولة.[1] فلا يقتصر الدور الرقابي في هذه البنية على الرقابة الرأسية من قِبل الأجهزة السيادية، بل يمتد لينتج نمطًا من المراقبة الأفقية أو التبادلية بين المستخدمين أنفسهم، حيث يُلاحظ قيام أفراد برصد مجتمعي متبادل يركز على تتبع التوجهات الفكرية والسياسية، والنشطاء والمعارضين، وهو ما يتحول في كثير من الأحيان إلى حملات تعبئة وضغط رقمية تهدف إلى دفع السلطات للتدخل وملاحقة المستهدفين قضائيًا.

ويتزامن هذا السلوك مع التداخل والتكامل في اختصاصات الجهات المؤسسية المختصة بأدوار المراقبة الرقمية، حيث يتخطى الدور الرقابي الأجهزة الأمنية ليشمل جهات عدة، أبرزها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يمارس صلاحيات رقابية وعقابية واسعة على الحسابات والمنصات الرقمية، ووحدة الرصد والتحليل التابعة للنيابة العامة، التي تتابع المحتوى الافتراضي بشكل استباقي تحت دعاوى حماية القيم. كما تخلق هذه الشبكة الرقابية متعددة الطبقات حالة من القلق المستمر لدى الناشطين والمستخدمين، تفضي طواعية إلى فرض الرقابة الذاتية على تعبيرهم في الفضاء الرقمي.

والبعد الثاني يرتبط بإضفاء الشرعية القانونية على هذا النظام الرقابي متعدد الطبقات، والذي يتجسد في اللغة المستخدمة في القوانين المتعلقة بتنظيم الفضاء الرقمي ومكافحة الجريمة الرقمية ومكافحة الإرهاب، والتي تشمل العديد من العبارات الفضفاضة، المقترنة عادة باعتبارات مثل “حماية الأمن القومي”، والتي تسمح عمليًا بتخطي الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير أو الالتفاف حول تطبيقها، وتسبغ مشروعية على الملاحقة القانونية للمعارضين[2]. أما البعد الثالث فيمثّل الجذور التاريخية لهذا النمط الرقابي المؤسسي، حيث التاريخ الحديث نزوع أجهزة الدولة الحديثة المستمر منذ القرن التاسع عشر نحو ممارسة الرقابة والضبط على الأنشطة البشرية والحيز العام. وتمثل منظومة الرقابة الرقمية الحالية امتداداً لهذا الإرث المؤسسي الطويل.[3]

تتبلور منظومة المراقبة الرقمية في صور إجرائية متعددة تشمل التتبع المستمر للحسابات الشخصية للنشطاء ومتابعة نشاطهم الرقمي اليومي، وفحص Hashtags السياسية، وفلترة الكلمات المفتاحية، ورصد المجموعات المغلقة، وتجميع البيانات المتاحة للعامة عن التوجهات الفكرية للمستخدمين. وتستند هذه الممارسات إلى أساس تشريعي محلي يمنح جهات الضبط صلاحيات تقديرية واسعة، تبدأ من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 وتحديداً المادة (64) الخاصة بالدعم الفني للأجهزة الأمنية[4]، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وتحديداً المادتين (25) و(27) المتعلقين بالاعتداء على قيم المجتمع وإساءة استخدام الإنترنت،[5] والتي استخدمت بشكل متكرر في ملاحقة النشر الرقمي قضائيًا، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 وتحديداً المادة (29) التي تُجرِّم إنشاء أو إدارة أو استخدام أي موقع على شبكات الاتصال أو الإنترنت بغرض الترويج للأفكار الإرهابية أو تضليل السلطات، والتي تُستخدم عمليًا بشكل متكرر كإطار قانوني لملاحقة المحتوى الرقمي المعارض.[6]

وتتكامل هذه التشريعات مع القانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم أعمال الخبرة أمام جهات القضاء، والذي يتقاطع مع المنظومة الرقمية عبر تنظيمه الاعتماد على تقارير الخبراء الفنيين لتفريغ وفحص الأدلة الرقمية الناتجة عن المراقبة. وتمنح جهات التحقيق والمحاكم هذه التقارير الفنية حجية إثباتية مرتفعة لتثبيت الاتهامات، مما يؤدي في الواقع العملي إلى نزع التعبير الرقمي من سياقه الفني أو السياسي وتحويله إلى دليل جنائي مادي صلب.[7]

تتبلور إشكالية البحث في التعارض القانوني والإجرائي بين الأنماط المنهجية لإنفاذ القوانين السابق ذكرها وبين الضمانات الدستورية والدولية لحرية الرأي والتعبير والإبداع. ويبرز هذا الإشكال في التحول الوظيفي لدور مأمور الضبط القضائي، من البحث عن جرائم مادية بعد وقوعها بناءً على اشتباه جدي إلى رقيب استباقي ينقب في الحسابات الشخصية ويفتش هواتف المارة عشوائياً. تتعارض هذه الممارسات مع الحماية الدستورية الواردة في المواد (57) و(65) و(67) و(71) من الدستور المصري، والتي تكفل حماية الخصوصية، وسرية المراسلات، وحرية التعبير والإبداع والنشر،[8] فضلاً عن الحقوق الراسخة في القانون الدولي، والتي تشمل تلك المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في مادتيه (17) الضامنة للحق في الخصوصية وحظر التدخل التعسفي أو غير القانوني في المراسلات والاتصالات، و(19) الكافلة بشكل قاطع لحرية التعبير واستقاء الأفكار وتلقيها ونقلها إلكترونياً دون قيود حدوية.[9]

ولا تقف هذه المنظومة الرقابية عند حدود التتبع الافتراضي للمحتوى الرقمي، بل تمتد لتتكامل مع أدوات السيطرة الميدانية والإجرائية القسرية عبر ممارستين رئيسيتين تُكملان دائرة الانتهاك:

تتمثل الأولى في “التفتيش العشوائي القسري للهواتف المحمولة” للمواطنين والنشطاء في الكمائن والميادين العامة؛ حيث يتم تحويل الهاتف المحمول من أداة تواصل ومستودع للحياة الخاصة إلى نقطة تفتيش دائمة، عبر استغلال الاستيقاف الميداني للاطلاع على الحسابات والرسائل الشخصية دون إذن قضائي أو حالة تلبس.

بينما تتمثل الثانية في تقنين “منظومة تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد” (جلسات المحاكمة والتقاضي الإلكتروني)؛ والتي أنشأت نمطاً من الاحتجاز الافتراضي يُعزل فيه المتهم جغرافياً وإجرائياً عن التواصل المباشر مع محاكمته ودفاعه. وتتقاطع هذه المنظومة مع فلسفة المراقبة الرقمية بتحويل أجساد المحتجزين إلى شاشات، مما يفرغ ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع من مضمونها، ويُسهل التمديد الآلي للحبس الاحتياطي بناءً على محاضر الرصد والتحريات الرقمي.

 

ووفقاً للمحددات المنهجية لخطة البحث، اولاً: كيف اسست البنية التشريعية ووترسانة القوانين للمراقبة الرقمية مع  وجود تعدد مؤسسي يراقب الفضاء الافتراضي منها معدو التقارير الفنية التي اصبحت مجرد إجراء روتيني لا يناقش فنيا الدليل الرقمي. ثانياً: يكشف المبحث الثاني من هذاالتقرير كيف ساعدت هذه التشريعات في تغيبر التوصيف الوظيفي لمأمور الضبط القضائي الذي حدده قانون الإجراءات الجنائية المصري عن طريق الاجراء الميداني المتمثل في التفتيش والاطّلاع القسري على محتوى الهواتف المحمولة للنشطاء والمواطنين أثناء حالات الاستيقاف العشوائي في الكمائن. عوضا علي ذلك كيف اصبح الدليل الرقمي المستمد من التفتيش الميداني قسراً شرعياً  وفقاً للتشريعات الرقمية. كما سيتطرق التقرير لعدد من القضايا التي تُنظر حالياً لعدد من النشطاء نتيجة استخدهم حقهم الدستوري لحرية الرأي والتعبير او الابداع او حتي حقهم في النقد المباح عبر الفضاء الإلكتروني وكيف اسهمت التشريعات في المراقبة المنهجية للمصادر المفتوحة وتتبع النشطاء واستخدم الدليل الرقمة للملاحقة الجنائية.

المبحث الأول: البنية التشريعية والمؤسسية للمراقبة الرقمية (الشبكة الرقابية)

تعدد الجهات القائمة على الرقابة الرقمية والتداخل المؤسسي

لا تُمثل وزارة الداخلية، بأجهزتها البحثية والفنية، فاعلًا منفردًا منوطًا بالمراقبة والاشتباه والممارسات الأمنية الأخرى في عملية تنظيم الفضاء الافتراضي ورصد أنشطة المستخدمين في مصر، بل  أصبحت الحلقة الإجرائية والتنفيذية الأخيرة في شبكة مؤسسية متعددة الأطراف، تقاسمت الأدوار وتداخلت وتكاملت صلاحياتها بشكل أنتج نمطًا من الرقابة الشاملة على المجال العام الرقمي، مما أدى واقعياً إلى تقليص مساحات التعبير السياسي.[10] ويتجاوز هذا التداخل المؤسسي المفهوم التقليدي السائد لـ “جمع الاستدلالات” المنصوص عليه في قوانين الإجراءات الجنائية، لينشئ طبقات متتابعة من الرصد والتعقب تبدأ من جهات تنظيمية وإدارية وتنتهي بالملاحقة الجنائية والقبض.

ويبرز هنا دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بموجب قانون تنظيمه رقم 180 لسنة 2018 كأحد أهم الفاعلين في منظومة الضبط الرقمي، فقد منح هذا القانون المجلس صلاحيات رقابية واسعة يتداخل فيها التنظيم الإداري مع الضبطية القضائية العقابية، حيث تمتد هذه الصلاحيات لتشمل رصد ومتابعة المحتوى الرقمي، وفرض تدابير عقابية كحجب المواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى إخضاع الحسابات والمدونات والصفحات الشخصية التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف متابع لآليات الرقابة المستمرة بموجب المادة (19) من قانون الصحافة والإعلام.[11]

يتحول المجلس الأعلى للإعلام بموجب هذه الصلاحيات إلى المستوى الأول من العملية الرقابية على المحتوى الرقمي التي تؤدي عمليًا إلى تحديد الآراء السياسية والاقتصادية المعارضة وتكييفها كأفعال موجبة للملاحقة الجنائية. ويتضح هذا الدور العملي في قرارات المجلس بشأن حجب منصات إلكترونية مستقلة، مثل قرارات الحجب المتلاحقة بحق “المنصة” و”مدى مصر”،وصدر قرار من المجلس الاعلي للإعلام بحجب موقع مدي مصر في 13 أكتوير 2023 [12] . اما موقع المنصة فتم حجبه بدون صدور اي قرار رسمي.[13] بالإضافة إلى ذلك، يظهر هذا التداخل الإجرائي بين التنظيم الإداري والضبط الجنائي في قرار المجلس باستدعاء المسؤولين عن منصة “صحيح مصر”، ولفت نظرها، ومطالبتها بحذف محتوى معلوماتي يتعلق بأزمات اقتصادية محلية، بناءً عل اتهامات إدارية فضفاضة بـ “نشر أخبار كاذبة تسيء لمؤسسات الدولة”.[14]

تتجاوز التداعيات الإجرائية لهذه القرارات الإدارية نطاق العقوبة التنظيمية أو الغرامة المالية، حيث تتحول عمليًا إلى مستندات مرجعية ومنطلقات إجرائية تعتمد عليها الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية في مباشرة محاضر جمع الاستدلالات والتحريات الجنائية ضد أصحاب المنصات والحسابات الرقمية، مما يعني أن الرقابة الإدارية تتحول عمليًا إلى إطار ممهد ومسوغ قانوني للملاحقة الجنائية.

وتتقاطع هذه الرقابة الإدارية مع نمط مستحدث من الرقابة القضائية الاستباقية، والتي تجسدت هيكلياً في تأسيس وحدة الرصد والتحليل التابعة لمكتب النائب العام بموجب القرار رقم 565 لسنة 2020.[15] وتضطلع هذه الوحدة بمهمة المسح المستمر والدوري واليومي لمنصات التواصل الاجتماعي وتتبع الوسوم والمحتويات الرائجة trending. وتتحرك هذه الآلية بمعزل عن وجود شكاوى جنائية تقليدية أو بلاغات عن جرائم مادية محددة، حيث تمارس مراقبة ذاتية ومستمرة للفضاء الرقمي استناداً إلى أطر قانونية ذات مفاهيم واسعة مثل ‘حماية قيم الأسرة المصرية’، وصون الآداب العامة، ومنع تكدير السلم العام.

ويظهر البيان الرسمي التاريخي الصادر عن النيابة العامة بشأن قضايا فتيات “تيك توك”، مثل قضية حنين حسام ومودة الأدهم، نموذجاً تطبيقياً يوثق آلية عمل هذه المنظومة، إذ نص البيان صراحة على أن الإجراءات القانونية والجنائية لم تبدأ ببلاغ للشرطة، ولكن بقيام وحدة الرصد والتحليل برصد مقاطع مصورة متداولة عبر الفضاء الرقمي اعتبرتها الوحدة خروجًا على القيم المجتمعية. وبناءً على هذا الرصد القضائي الذاتي، صدرت تكليفات وتوجيهات رسمية للجهاز الأمني المضطلع بالقضايا الرقمية بوزارة الداخلية، وهي الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات والمعروفة بمباحث الإنترنت، لإجراء التحريات وتحديد الهوية الرقمية والمادية لصانعي المقاطع، ثم إصدار أمر الضبط والإحضار.[16] يُمثل هذا النمط تحولاً بنيوياً في المسار الإجرائي المعتاد، فالرصد القضائي عبر الوحدة التابعة للنيابة بات يسبق ويوجه العمل الشرطي الميداني، وتتبلور من خلاله أركان الدعوى الجنائية قبل بدء إجراءات الضبط المادي على الأرض.

تتخطى منظومة الضبط الرقمي أيضًا النمط الرقابي الرأسي، الممتد من المؤسسات الرسمية إلى المواطن، لتشمل تنشيط نمط من “المراقبة الأفقية” أو التبادلية بين المستخدمين، حيث أدى الرصد المنهجي وتعدد الجهات الرقابية الرقمية إلى خلق بيئة تحفز بعض الأفراد والمجموعات لممارسة الرصد الرقمي متبادل، وتتبع الآراء السياسية، والفكرية، والفنية على منصات التواصل الاجتماعي. وتحول هذه الممارسات في الكثير من الحالات إلى حملات ضغط وتعبئة رقمية تهدف إلى تحفيز الأجهزة الرسمية لمباشرة إجراءات الضبط والملاحقة القضائية بحق المستهدفين. وأنتجت هذه الممارسات ظهور فئة من المحامين المختصين في تقديم بلاغات جنائية جماعية مدعومة بلقطات شاشة Screenshots مأخوذة من حسابات النشطاء والمعارضين والمواطنين، مثل البلاغات المكثفة التي لاحقت الشاعر والكاتب “أحمد دومة” عقب نشره مقالًا نقديًا عن التوسع في إنشاء السجون ومراكز الإصلاح، أو البلاغات التي تلاحق صناع المحتوى الساخر بتهم مثل “إهانة مؤسسات الدولة”. ومن ثم، تتحول هذه الحملات إلى مسوغات تدخل الأجهزة الأمنية الإجرائي والقبض على المستهدفين باعتباره استجابة لمطلب مجتمعي وحماية للسلم العام. هذا التكامل بين الرقابة المؤسسية والضغط المجتمعي ينتج في النهاية بيئة من الذعر الرقمي التحوط والرقابة الذاتية الصارمة بين المستخدمين، خوفًا من احتمالات الملاحقة المؤسسية-المجتمعية المشتركة.

يُجسد هذا التكامل المؤسسي بين الرقابة الإدارية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والرصد القضائي الاستباقي للنيابة العامة، ونمط الرقابة المجتمعية الأفقية، منظومة تتجاوز الأدوار التقليدية لمؤسسات الدولة، حيث تصبح وزارة الداخلية الحلقة الإجرائية والتنفيذية النهائية التي تترجم مخرجات الرصد الرقمي إلى ملاحقات جنائية ملموسة بحق المواطنين، والنشطاء والمعارضين، وهو ما يمثل تجاوزًا للمفهوم التقليدي للعمل الشرطي المستقل القائم على تعقب الجريمة المادية بعد وقوعها، ويحول مؤسسات الدولة المختلفة إلى رقيب دائم على المجال العام الرقمي.

الأساس التشريعي وتوظيف تقارير الفحص الفني

تستند منظومة الرصد الرقمي المؤسسي والمجتمعي إلى منظومة تشريعية تمنحها مشروعية إجرائية، حيث أصدرت الدولة سلسلة من القانون التي سمحت موادها عمليًا بتقنين مراقبة الفضاء الرقمي وملاحقة الأفراد قانونيًا بناءً على ممارستهم الحقوق الأساسية في الرأي والتعبير في مساحات رقمية.

وتبدأ هذه المنظومة التشريعية من البنية التحتية لشبكات الاتصال ذاتها، وذلك من خلال قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وتحديداً المادة (64) منه، والتي تفرض التزاماً قانونياً صارماً على جميع مشغلي شبكات الاتصالات ومقدمي خدمات الإنترنت بتوفير كافة الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرمجيات داخل شبكاتهم على نفقتهم الخاصة، لتمكين الأجهزة الأمنية ومؤسسات الأمن القومي من ممارسة صلاحياتها في السيطرة على خطوط الاتصال واستقاء البيانات والمعلومات الرقمية.[17] هذا النص يمثل التأسيس الهيكلي للمراقبة الرقمية، حيث يحول الشركات التقنية الخاصة والمشغلين إلى شركاء فنيين ملزمين قانونيًا بفتح قنوات النفاذ للأجهزة الأمنية، مما يتحي بناء قواعد بيانات وتتبع حركة تدفق المعلومات عبر الإنترنت دون الحاجة لإجراءات قضائية مسبقة لكل عملية رصد مفردة.

بجانب السلطة على البنية التحتية، تحوي القوانين المتعلقة بتنظيم الفضاء الرقمي صيغًا فضفاضة تسمح عمليًا بملاحقة المستخدمين بناءً على تعبيرهم السلمي عن الرأي. ويأتي على رأس هذه القوانين قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، المعروف باسم قانون الجرائم الإلكترونية. وتُشكل المادتان (25) و(27) من هذا القانون الأداة التشريعية الأكثر استخداماً في الملاحقة القانونية للنشطاء والمعارضين وصناع المحتوى، حيث المادة (25) كل من اعتدى على أي من “المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري”.[18] ونظرًا لعدم وجود أي تعريف قانوني منضبط لمفهوم “القيم الأسرية”، فقد تحول هذا النص إلى غطاء واسع يُوظف عملياً في العديد من الحالات في الملاحقة القانونية على أساس التعبير عن التوجهات الفكرية والآراء الشخصية، أو حتى المحتوى الساخر أو الناقد للسياسات العامة. وتتكامل معها المادة (27)، التي تعاقب بالحبس والغرامة كل من أنشأ أو أدار أو استخدم حساباً خاصاً على شبكة معلوماتية يهدف من ورائه إلى ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً، مما يتيح عمليًا للأجهزة الأمنية توجيه اتهامات مزدوجة للمستخدمين فقط بناءً على ممارسة التعبير الرقمي.

ويتقاطع التطبيق العملي لهذه المواد بشكل متكرر وأساسي مع قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، وتحديداً المادة (29) منه، والتي تفرض عقوبة السجن المشدد على كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعاً على شبكات الاتصال أو الإنترنت بغرض الترويج للأفكار أو المعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، أو لتضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة.[19] ويمتد تطبيق هذا النص، المخصص أصلاً لمكافحة التنظيمات المسلحة، بشكل متكرر إلى النشاط الرقمي السلمي للمعارضين، عبر تصنيف كتاباتهم النقدية باعتبارها تؤدي بشكل غير مباشر إلى “تكدير السلم العام”.

وتكتمل المنظومة الرقابية بالآليات الإجرائية المستخدمة في تحويل مخرجات الرصد الرقمي إلى “أدلة جنائية صلبة” صالحة لإدانة المتهمين أمام جهات التحقيق والمحاكم، حيث يظهر الواقع العملي فجوة إجرائية بين التشريع والتطبيق فيما يخص حجية الدليل الإلكتروني وكيفية استخدامه إجرائياً بموجب المرسوم بقانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم أعمال الخبرة أمام جهات القضاء.[20]

تتسم الأدلة الرقمية، مثل المنشورات، والرسائل الخاصة، ومقاطع الفيديو، بطبيعتها الافتراضية بالسيولة العالية، وقابلية التعديل، والمحو السريع، والقدرة على الاصطناع والفبركة والقرصنة. كنتيجة لذلك، اشترط قانون تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 في مادته الأولى، ومواده التنفيذية، شروطاً صارمة لاعتبار الدليل الرقمي متمتعاً بالحجية القانونية في الإثبات الجنائي، وأبرزها: ضمان عدم التلاعب بالدليل، وتوافر التوثيق الرقمي المستمر، والقدرة على التحقق من سلامة البيانات ومصدرها، وأن يتم استخراجه وحفظه وتخزينه بوسائل فنية تمنع العبث بمحتواه وبصمته الرقمية.[21]

ولكن، يظهر الواقع العملي فجوة واسعة بين هذه الشروط الفنية النظرية وبين ممارسات جهات التحقيق والمحاكم، حيث تعتمد النيابة العامة بشكل كلي على تقارير “الفحص الفني” التي يعدها خبراء معتمدون، وتحديداً خبراء مباحث الإنترنت بوزارة الداخلية أو خبراء وزارة الاتصالات.[22] ويكون الدور الأساسي للخبير الفني هو فحص الحساب الإلكتروني أو الهاتف المحمول المحجوز من قبل سلطات التحقيق، وتفريغ محتواه، وإعداد تقرير فني رسمي يثبت بصمة الجهاز الرقمية IP Address. وتمنح المحاكم الجنائية المصرية هذه التقارير الفنية “حجية مطلقة” شبه يقينية، وتتعامل مع مخرجاتها كحقائق مادية لا تقبل النقاش، مستندة إلى مبدأ سلطة المحكمة الموضوعية في تقدير أعمال الخبراء.[23]

وتكمن المشكلة في أن هذا التوجه القضائي لا يفصل عمليًا بين إثبات سلامة الوعاء الفني للدليل وبين إثبات نسب الفعل للمتهم، فدور الخبير الفني التقني يقتصر دوره على إثبات الارتباط المادي بين المحتوى الرقمي والجهاز المستهدف، لكن تظل الآليات الحالية عاجزة عن إثبات “السيطرة المادية الفعالة” للمتهم وقت النشر، أو استبعاد فرضيات اختراق الحساب، أو حيازة الجهاز من قِبل الغير، أو التلاعب بالمحتوى عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي والفبركة الرقمية. كما لا يساهم رأيه في تحديد ما إذا كانت هذه المنشورات تشكل جريمة أم تأتي في إطار الحق في حرية الرأي والتعبير.

يؤدي هذا التوسع في منح الدليل الرقمي حجية يقينية مطلقة عمليًا إلى تجريد المحتوى الرقمي من سياقاته الموضوعية، مما يسهل التعامل قضائيًا مع محتوى الرقمي، بغض النظر عن جديتها أو ملابساتها، باعتباره دليل جنائي مادي صلب، يعادل حيازة السلاح أو المخدرات. يؤدي هذا الخلط بين الأدلة الرقمية والمادية أيضًا بالمحاكم إلى تجاهل الدفوع القانونية الجوهرية المتعلقة بانتفاء الركن المعنوي للجريمة، أو احتمالية بطلان إجراءات التفتيش الفني، أو احتمالية الفبركة واختلاط البصمات الرقمية نتيجة استخدام شبكات رقمية مفتوحة.

تتجلى التداعيات الإجرائية لتطبيق مواد القوانين وقواعد الخبرة السالف ذكرها في قضايا الرأي والتعبير الرقمي المتزايدة في مصر، حيث تتحول مخرجات تقارير الفحص الفني عمليًا وبشكل متكرر إلى ركيزة أساسية لتكييف أشكال التعبير الرقمي وتحويلها من ممارسة لحرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريًا إلى جرائم جنائية جسيمة، أبرزها: الانضمام إلى جماعة إرهابية، ومشاركتها في تحقيق أغراضها، وإذاعة ونشر أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن والسلم العام.

ولكن، على الرغم من إسباغ هذه الممارسات لحجية يقينية مطلقة على التقارير الفنية، يظل دحضها أمام قاضي الموضوع ليس أمراً مستحيلاً، إذ يظل هذا الدليل الإلكتروني خاضعاً لرقابة المحكمة وقابلاً للمنازعة والدحض الإجرائي عبر الدفع بعدم تطبيق الضوابط والضمانات الفنية الصارمة اللازمة لصحة الدليل الرقمي ونقائه من العبث أو القرصنة.

المبحث الثاني: الممارسات الميدانية للمراقبة الرقمية وإشكالية الضبط القضائي

يرتكز النظام الإجرائي الجنائي على حماية الحرية الشخصية وصيانة حرمة المستودعات السرية للأفراد كضمانات دستورية أصيلة لا يجوز المساس بها إلا في أضيق الحدود الإجرائية، وبضوابط صارمة يحددها القانون. ومع ذلك، يشهد الواقع الميداني الحلي تحولًا جذريًا في آليات الضبط، حيث انتقلت ممارسات المراقبة من الفضاء الرقمي العام إلى استهداف الأجهزة الرقمية المحمولة للأفراد في المساحات العامة عبر ممارسات الاستيقاف والتفتيش العشوائي للهواتف الذكية والحواسب المحمولة. ويثير هذا النمط من الضبط إشكاليات قانونية تتعلق بمدى مشروعية الدليل المستمد منه، وبطلان التفتيش المبتدئ، ومدى عوار حالة التلبس المفترضة أو المصطنعة في هذا الشكل من التوقيف، في مقابل الحماية المقررة في الدستور للحق في الخصوصية الرقمية وحرمة البيانات الشخصية.

الاستيقاف العشوائي والتفتيش الميداني للهواتف الذكية

تتخذ ممارسات الضبط الميداني في الكمائن الأمنية ونقاط الارتكاز المروري وتأمين الميادين العامة نمطاً إجرائياً يقوم في جوهره على استيقاف المواطنين والمارة بشكل عشوائي، ومطالبتهم بتقديم هواتفهم المحمولة وأجهزتهم الذكية للاطلاع على محتواها الداخلي، وفحص حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، وسجل المحادثات والصور، والذي يظهر عمليًا أنه عادة ما يستخدم للبحث عن أي مؤشرات للنشاط السياسي أو التعبير الناقد.[24] وتتطبق هذه الممارسات ميدانياً بموجب تفعيل سلطة “الاستيقاف” الإداري أو الأمني، حيث يبرر مأمورو الضبط القضائي هذا الإجراء باعتباره تدبيراً احترازياً للكشف عن الجرائم أو التحقق من الهويات والاشتباه السياسي والأمني في محيط التجمعات الحيوية.

وتجسد هذا النمط بوضوح في واقعة توقيف السيناريست والمخرج “مؤمن حسن” في محيط ميدان التحرير، حيث تم استيقافه عشوائياً وإنزاله من سيارة أجرة، ثم خضع هاتفه المحمول لفحص فني ومادي دقيق ومباشر من قبل مأمور الضبط دون الحصول على إذن قضائي مسبق، مما أسفر عن النفاذ إلى تفتيش محادثة خاصة له عبر تطبيق “ماسنجر” تتضمن إسقاطات سياسية عابرة. وتلى ذلك احتجازه بشكل مخالف للقانون لفترة قبل عرضه على النيابة العامة في القضية رقم 662 لسنة 2021 جنح قصر النيل، بتهمة “استخدام موقع على شبكة المعلومات الدولية بغرض الترويج لارتكاب فعل إرهابي”، بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب وتقنية المعلومات.[25]

من الناحية القانونية، تمثل هذه الممارسات خروجًا على التحديد القانوني السليم لمفهوم الاستيقاف كما استقرت عليه الأحكام المتواترة لمحكمة النقض المصرية. فالاستيقاف في القانون هو إجراء لا يمكن اتخاذه إلا إذا وضع الشخص نفسه طواعية واختياراً في موضع الريبة والظن بشكل واضح وملموس ينبئ عن ضرورة تدخل مأمور الضبط القضائي للكشف عن حقيقته وهويته.[26] ولا يعد مجرد التواجد في المساحات العامة أو وسائل النقل والمواصلات مسوغاً قانونياً للاستيقاف، حيث أن الأصل في المواطن البراءة والحرية. كما أن طلب فحص الهاتف الذكي يتجاوز حدود الاستيقاف الإداري، الذي يقتصر على التحقق من الهوية الشخصية والاتساق مع قواعد المرور والأمن العام، ليتحول إجراء الاستيقاف إلى عملية تفتيش كاملة الأركان، دون الحصول على إذن قضائي مسبق أو توافر حالة من حالات التلبس بجريمة.[27]

وتكمن خطورة هذه الممارسة في أن الهاتف المحمول في العصر الحالي لم يعد مجرد أداة اتصال، بل تحول إلى مستودع رقمي يضم أسرار الحياة الخاصة للمواطن، ومراسلاته، وبياناته المالية، وأفكاره الشخصية، ومن ثم فإن تفتيشه والنفاذ إلى تطبيقاته دون مبرر إجرائي يتعارض بشكل مباشر مع المادة (57) من الدستور المصري الحالي، والتي أقرت حرمة صريحة للمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية، وحظرت مراقبتها أو الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة.[28] بناءً على ذلك، فإن الممارسات الميدانية القائمة على الضغط على الأفراد لفتح هواتفهم في الكمائن، والذي ينفذه الأفراد عادة تحت وطأة الرهبة أو كنتيجة للجهل بعدم قانونية الفعل، تعد إجراءً باطلاً لعدم استناده إلى مشروعية إجرائية تبرره.

التكييف القانوني لحالة التلبس الرقمي وبطلان الدليل المستمد منها في ضوء تشريعات البيانات

لسد الفجوة القانونية الناتجة عن غياب إذن قضائي مسبق في حالات الاستيقاف الميداني، تتجه جهات الضبط القضائي في محاضرها الرسمية في الكثير من الحالات إلى شرعنة التفتيش الميداني للهواتف والأجهزة الرقمية عبر تكييف واقعة فحص الهاتف باعتبارها “حالة تلبس بالجريمة”، حيث يذكر مأمور الضبط في محضره عادةً أنه اشتبه في المتهم سياسياً أثناء استيقافه أو فحص هويته، وهو ما تكرر في حالة توقيف حسن، وأنه بفحص الهاتف وجد أنه يحتوي على منشور يحرض ضد نظام الحكم، أو يذيع أخباراً كاذبة، أو محادثة عبر التطبيقات تنطوي على جريمة، مستنداً في ذلك إلى المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، والتي تحصر حالات التلبس في إدراك الجريمة بطريقة يقينية ومعاصرة بإحدى الحواس عقب ارتكابها ببرهة يسيرة.[29]

ويظهر عوار هذه الذريعة الإجرائية أمام القواعد القانونية الأساسية للإثبات الجنائي، فالمستقر عليه فقهياً وقضائياً هو أن “التلبس حالة عينية تلازم الجريمة نفسها لا شخص المتهم”، ويشترط لصحتها وقانونيتها أن يدرك مأمور الضبط القضائي الجريمة بطريق الصدفة البحتة وبإحدى حواسه كالرؤية أو السمع قبل البدء في أي إجراء من إجراءات السيطرة أو القبض أو التفتيش.[30] وفي حالة الهواتف الذكية والحواسب المحمولة، فإن محتوى الجهاز يكون مغلقاً ومحمياً بكلمات مرور أو بصمات حيوية، ولا يمكن لمأمور الضبط رؤية منشور أو محادثة إلا إذا قام أولاً بمد يده والسيطرة المادية على الهاتف وانتزاعه من صاحبه وتفتيشه، وهو ما يعني بالضرورة الوقوع في مغالطة قانونية أساسية لكون “التفتيش الباطل هو الذي خلق حالة التلبس، وليس حالة التلبس هي التي أباحت التفتيش”. وبحسب القاعدة القانونية المستقرة في قضاء النقض، “ما بني على باطل فهو باطل”، والمشروعية لا تتجزأ.

وبالتالي، يترتب على هذا التكييف القانوني لحالات الاستيقاف وفحص الأجهزة الرقمية بطلان كافة الإجراءات اللاحقة المتفرعة عنه. كما يتعارض هذا التكييف مع المنظومة التشريعية الحديثة لحماية البيانات، حيث أن الأساس الدستوري في المادة (57) أسبغ حرمة صريحة على الحياة الخاصة والمراسلات الإلكترونية،  وانعكاساً لهذه المحددات الدستورية، وضع قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 إطاراً تشريعياً شاملاً يُلزم كافة الجهات بتطبيق معايير تأمينية صارمة، وحظر معالجة البيانات الشخصية الإلكترونية للأفراد أو الاطلاع عليها أو إفشائها دون موافقة صريحة ومسبقة من صاحب البيانات.[31]

بناءً على ذلك، فإن فحص الهواتف عشوائياً في الكمائن، كما حدث في مثال القضية 662 لسنة 2021 جنح قصر النيل، يمثل تعارضًا صريحًا مع حرمة البيانات الإلكترونية المحمية بموجب القانون 151 لسنة 2020، وتجريداً للجهاز الرقمي من حصانته المكفولة باعتباره امتداداً افتراضياً لحرمة المسكن الخاص. ومن المفترض أن يترتب على ذلك بطلان محضر الضبط ذاته، وكذلك تقرير الفحص الفني اللاحق الذي تجريه مباحث الإنترنت، وشهادة ضابط الواقعة، إذ لا يجوز الاستناد إلى دليل استُخلص نتيجة اعتداء على حرمة الحياة الخاصة والحريات الدستورية للأفراد، وهو ما يتعين معه على محاكم الموضوع القضاء ببراءة المتهمين وإسقاط الدليل الفني الباطل لانتفاء المشروعية الإجرائية في تجميع الأدلة الرقمية.[32]

دراسة الحالة الأولى: أحمد دومة (شرعنة الملاحقة القانونية للرأي المكتوب عبر الرصد الاستباقي للمصادر الرقمية المفتوحة)

تُعد القضية رقم 2449 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا (والمقيدة برقم 4894 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس)، والخاصة بالكاتب والناشط السياسي “أحمد سعد دومة”، أحد النماذج التطبيقية البارزة للمأسسة العملية لـ “الرقابة الرقمية الاستباقية”. وتوضح هذه القضية كيف تتكامل أدوات التتبع التقني للأجهزة الأمنية مع بلاغات المواطنين المتوازية، لتقدم المسوغ القانوني للملاحقة القضائية بناءً على آراء مكتوبة في الفضاء الرقمي.[33]

الوقائع والدورة الإجرائية وتوظيف البلاغات الجماعية

انطلقت الملاحقة الجنائية في هذه الواقعة من فضاء الكتابة الصحفية، حيث نشر دومة مقال رأي بتاريخ 25 مارس 2026 عبر موقع صحيفة “العربي الجديد” تحت عنوان “من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن”، قدم فيه تحليلًا ونقدًا لسياسات التوسع في بناء ومأسسة السجون ومراكز الإصلاح الجديدة كأداة للضبط الاجتماعي. ولاحقاً، قام المتهم بمشاركة رابط المقال عبر منصة النشر الشخصي سابستاك (Substack) وحسابه المفتوح على منصة فيسبوك (Facebook).

وتكشف محاضر الإجراءات الرسمية في القضية عن تداخل المراقبة المؤسسية مع المراقبة المجتمعية بين الأفراد، حيث لم تبدأ القضية بضبط مادي مباشر، بل عبر موجة متزامنة من البلاغات. ففي يوم 30 مارس 2026، توالت البلاغات من عدة مواطنين في أقسام شرطة متعددة ومتباعدة بمحافظات مختلفة، منها أقسام المنشية، والدخيلة، والشرابية، والزاوية، وأول العامرية، ومركز شربين. وحملت هذه البلاغات صياغات قانونية متطابقة، ادعى فيها المبلغون مطالعتهم المقال عبر فيسبوك وأنه يحمل أخباراً كاذبة تحرض ضد مؤسسات الدولة.[34]

يشير التزامن الإجرائي والتطابق اللفظي في بلاغات المواطنين إلى توظيف هذه البلاغات كأداة تمنح جهات الضبط الأمنية الذريعة الإجرائية للتدخل في القضية، وتوفر غطاءً قانونيًا للمراقبة المؤسسية الرقمية باعتبارها استجابة لبلاغات المواطنين، مع تجنب الاستناد على المراقبة المؤسسية وحدها بشكل قد يعرض عملية الضبط لبطلان الإجرائي. وبناءً على هذا الغطاء، سطر ضابط التحريات محضره المؤرخ في 1 أبريل 2026، والذي خرجت فيه الواقعة من سياقها كعملية نشر مقال رأي إلى سياق جنائي، حيث ادعى المحضر أن المتهم “يضطلع بمعاودة ومداومة نشر الأخبار والشائعات الكاذبة والتحريض ضد مؤسسات الدولة”، وأن المقال يهدف إلى “دفع المواطنين للاحتشاد والقيام بأعمال عنف وشغب وصولاً لإسقاط الدولة.”

التكييف القانوني وإسقاط الضمانات الدستورية

بموجب هذه الممارسات، يتبلور الانحراف البنيوي في الإجراءات وفي طبيعة الأدلة الرقمية المسوقة في الآتي:

تجريم الإبداع والتعبير واصطناع الضرر الجنائي: لم تأخذ جهات التحقيق والمحاكمة صفة المتهم ككاتب صحفي يمارس حقه في التعبير والنشر المكفول بالمادتين (65) و(71) من الدستور في الاعتبار، وقامت النيابة بإسباغ تكييف جنائي مشدد بموجب المادتين (80 د) و(102 مكرر) من قانون العقوبات، متهمة إياه بـ “إذاعة أخبار وإشاعات كاذبة عمداً بالداخل والخارج من شأنها إضعاف هيبة الدولة وإلقاء الرعب بين الناس.”

ويكمن العوار الإجرائي في استخلاص الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، استنادًا إلى تأويل كلمات المتهم ومصطلحاته مجازية، حيث اعتمدت سلطة الاستدلال على تفسير الضابط مجري التحريات وتقديره الذاتي، الذي قال إن تداول المقال أدى إلى “شعور المواطنين بالخوف وعدم الاطمئنان وإضعاف هيبة الدولة”، دون تقديم دليل مادي على حدوث هذه الحالة، مما يؤدي عمليًا إلى تقييد تعسفي لحرية الفكر، وتكييف الحق في النقد والتحليل باعتباره دليل مادي صلب على جرم جنائي، بناءً على التأويلات الأمنية.

مأسسة الاعتماد على الدليل الرقمي المرن وحجية “لقطات الشاشة”: يشترط قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية معايير صارمة لاعتبار الدليل الرقمي مشروعاً، وفي مقدمتها توثيق “سلسلة الحيازة الرقمية” وضمان عدم العبث بالبيانات من خلال فحص الخوادم أو تتبع البروتوكولات التقنية المعيارية. ولكن، بالنظر إلى التقرير الفني الصادر عن مباحث الإنترنت (بتاريخ 26 أبريل 2026)، نجد أنه يظهر قصورًا في استيفاء هذه المعايير، إذ اقتصر الفحص الفني على التقاط صور ضوئية لشاشات الهاتف والحاسوب للمنشورات والمقال على منصات فيسبوك وسابستاك وإرفاقها كدليل مادي جازم.[35]

لم يوافي هذا الاختزال التقني شروط إثبات “السيطرة المادية الفعالة” للمتهم على الحساب وقت النشر، فالتقرير الفني لم يتتبع البصمة الرقمية أو عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالجهاز المستخدم، ولم يدفع احتمالية الاختراق أو التلاعب بالحساب، مكتفياً بشرعنة الدليل البصري السطحي (لقطة الشاشة) كأداة كافية لسلب الحرية، رغم تمسك الدفاع طوال التحقيقات بجحود الحجية القانونية لتلك اللقطات وانتفاء السيطرة المادية للمتهم على المنصات الصحفية التي نشرت المقال.

العوار في الاستدلال ومأسسة المراقبة الأفقية: أسست المحكمة في حيثيات حكمها بإدانة دومة للاعتماد على ممارسة “المراقبة الأفقية”، فبدلا من الالتفات إلى افتقار الأدلة الفنية للحجية، أسست المحكمة قناعتها على تضافر شهادات مقدمي البلاغات المتزامنة مع نتائج التحريات الأمنية، معتبرةً إياها عناصر كافية لتوليد اليقين القضائي بارتكاب الواقعة، وهو ما يخالف المستقر عليه في قضاء النقض من أن الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين، وأن التحريات لا تعدو أن تكون رأياً لصاحبها لا يصلح وحده دليلاً للإدانة.

خلاصة دراسة الحالة

توضح قضية أحمد دومة أن الدور الذي يلعبه تكامل مستويات المنظومة الرقابية المنظومة الرقابية السابق ذكرها، فجهة الضبط تراقب رقمياً بشكل استباقي، ثم تُوظف بلاغات المواطنين المتوازية كأداة إجرائية لتسويغ التدخل الأمني وتوفير غطاء قضائي للمراقبة الاستباقية، ثم تتكامل هذه الدورة عبر إسباغ الحجية على مخرجات تقنية لا تستوفي معايير التوثيق الدقيق (لقطات شاشة) ضمن تقارير الفحص الفني، لينتهي الأمر بصدور أحكام بالإدانة تتعارض مع الضمانات الدستورية لحرية الصحافة والتعبير الرقمي.

دراسة الحالة الثانية: أشرف عمر (تجريم الإبداع البصري الرقمي ومأسسة آليات العزل التقني وتوسيع نطاق جرائم التمويل)

تُمثل القضية رقم 1568 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، والتي أُحيلت للمحاكمة برقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس (والمقيدة برقم 2240 لسنة 2025 كلي القاهرة الجديدة)، والخاصة بالمترجم ورسام الكاريكاتير الصحفي “أشرف عمر”، مثالًا بارزًا على تمدد المنظومة الرقابية، حيث تقدم حالة أدت فيها المراقبة الرقمية إلى ملاحقة القانونية للتعبير البصري الرقمي والفن الساخر. وتبرز الأهمية البحثية لهذه الحالة في توثيقها لتحول إجرائي في السنوات الأخيرة، يتجاوز مجرد استخدام الدليل الرقمي كدليل إثبات، إلى رقمنة العملية الإجرائية نفسها عبر تقنيات التقاضي الافتراضي. كما شهدت القضية أيضًا توسيعًا غير مسبوق لمفهوم التمويل الإرهابي ليشمل تداول البيانات والمعلومات عبر الفضاء السيبراني.

الرصد الرقمي الاستباقي وتجريد المنتج الفني الافتراضي من سياقه

تأسست الملاحقة الجنائية في هذه القضية على تتبع البصمة الرقمية للمتهم عبر منصات النشر الإلكترونية المستقلة، حيث كان يمارس نشاطه المهني كرسام كاريكاتير ومترجم عبر موقع “المنصة” الإخباري الرقمي. وقد رصدت جهات الضبط أعماله الفنية المنشورة عبر منصات الفضاء الرقمي، وتحديداً الرسومات الكاريكاتيرية التي عالجت قضايا مجتمعية واقتصادية مثل أزمات الطاقة، وانقطاع التيار الكهربائي، وتراكم الديون السيادية.

وتكمن الإشكالية البنيوية هنا في آلية المعالجة الأمنية للمحتوى البصري، حيث تعجز أدوات الرصد والتحري الرقمية عن قراءة الرمزيات البصرية visual metaphors في سياقها الإبداعي أو المجازي، وتتجه إلى تسطيح المنتج البصري وتحويله إلى دليل مادي صلب خاضع لقانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. ويظهر ذلك في تجاوز جهات الاستدلال حدود رصد المحتوى المنشور علانية، ليمتد الفحص التقني إلى أجهزة الحاسب والمستودعات الرقمية الخاصة، مما أسفر عن استخلاص مسودات رقمية ومخططات فنية مخزنة محلياً لم تدخل حيز التداول العام، وجرى تكييفها قانونياً كـ “مخططات ومشاريع إجرامية تحت التنفيذ.[36]

هذا المسلك الإجرائي يتعارض بشكل واضح مع المادة (67) من الدستور المصري التي تحظر رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، وكذلك تحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية بسبب علانية المنتج الفني. غير أن وجود وسيط النشر الرقمي في معادلة الاتهام أتاح لجهات التحقيق تجاوز هذه الحصانة الدستورية عبر تفعيل مواد قانون رقم 175 لسنة 2018، وتحديداً الاتهامات المتعلقة بـ “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، و”بث أخبار وبيانات كاذبة عبر الشبكة المعلوماتية”، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تفريغ الحماية الدستورية للفن من مضمونها بانتقال العمل الفني من اللوحة المادية إلى الشاشة الرقمية.

 

أمر الإحالة المباغت وتوسيع مفهوم “التمويل الرقمي بالبيانات والمعلومات”

بلغت ذروة التحولات الإجرائية في هذه القضية بصدور أمر الإحالة للمحاكمة الجنائية في نوفمبر 2025 (في القضية المقيدة برقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس)؛ حيث تكشفت صياغة قانونية مستحدثة للاتهامات في سياق إدراج عمر ضمن 12 متهماً، وجهت لهم اتهامات نوعية أكثر جسامة استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب.

ويعد الاتهام الأهم في أمر إحالة المتهم هو “ارتكاب جريمة من جرائم التمويل، والإرهاب بالأموال والبيانات والمعلومات لصالح جماعة إرهابية”، حيث يمثل إدراج لفظ “البيانات والمعلومات” كعنصر مادي في جريمة “تمويل الإرهاب” التطبيق العملي الأكثر حدة لفرضية البحث حول دور ويتضح عوار هذا الاستدلال من الناحية القانونية والتقنية عبر الأبعاد التالية:

الخلط بين التعبير والتمويل العيني: تظهر صياغة الاتهام على هذا النحو أن جهات التحقيق اعتبرت رسومات الكاريكاتير، والملفات الرقمية، والبيانات الفكرية المنشورة أو المخزنة على حاسوب المتهم، بمثابة أصول معنوية أو دعم معلوماتي يقع تحت طائلة تجريم التمويل. ولكن مثل هذا التأويل يطمس الحدود الفاصلة بين جرائم الرأي والتعبير، التي يحظر الدستور عقوبة الحبس فيها، وبين جرائم تمويل الإرهاب المادية، مما يتيح عمليًا ملاحقة صناع المحتوى الرقمي بتهم جنائية تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد بمجرد تداول بيانات لا تتفق مع تقديرات جهات الضبط.

انعدام الدليل الفني الرقمي (سلسلة الحيازة): يُشترط لتوجيه تهمة تمويل الإرهاب عبر الوسائط الرقمية تقديم تقرير فني صادر عن مختبرات أدلة جنائية رقمية متخصصة Cyber Forensics، يثبت وجود “تدفقات رقمية” Digital Flows، أو تحويلات لعملات مشفرة، أو إدارة لخوادم ونطاقات إلكترونية Domains ممولة وموجهة لدعم كيانات محظورة، مع توثيق “سلسلة الحيازة الرقمية” لمنع العبث بالبيانات وفقاً للمعايير الدولية وضوابط المادة (2) من القانون 175 لسنة 2018. ولكن خلت أوراق قضية عمر من أي فحص تقني يتبع هذه المحددات أو توثيق بصمة رقمية تثبت حركة الأموال والمعلومات، و استعيض عن ذلك بالاعتماد بشكل أساسي على التقدير الذاتي لجهة الاستدلال الأمنية التي اعتبرت المخرجات الفنية للمتهم بمثابة “معلومات ممولة.[37]

الإخلال بحق الدفاع وبطلان أمر الإحالة: استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على أن أمر الإحالة يجب أن يعكس بدقة ما ورد في التحقيقات. وبالتالي، فإذا تضمن الأمر اتهامًا جسيمًا، مثل تمويل الإرهاب بالبيانات والمعلومات، دون أن يُعرض على المتهم أثناء جلسات تحقيق رسمية وأن تتاح الفرصة لدفاعه لتقديم الدفوع الفنية والموضوعية وطلب ندب خبراء تقنيين المعلومات لتفنيد الإدعاء ونفيه، كما هو الحال في قضية عمر، فإن أمر الإحالة يصبح باطلًا لتعارضه مع الحق في المحاكمة العادلة المنصوص عليه في المادة (96) من الدستور.

الأثر الردعي للمنظومة وتكامل الدائرة الرقمية المغلقة

يُجسد التوظيف المتكامل لآليات الرصد والضبط الرقمي في قضية أشرف عمر إغلاقاً للدائرة التقنية للمنظومة الرقابية، فالعملية تبدأ بمدخلات رقمية تتمثل في التتبع الاستباقي وفحص الحواسب الشخصية لاستخراج المسودات والرسوم غير المنشورة، ثم تنتقل إلى عمليات إجرائية افتراضية تتمثل في عزل المتهم احتجازه رقميًا خلف شاشات الفيديو كونفرانس، وصولاً إلى مخرجات جنائية رقمية مستحدثة، حيث تُدرج البيانات والمعلومات كعناصر مادية في جرائم تمويل الإرهاب.

لا تؤدي هذه الدائرة الرقمية المتكاملة إلى إنفاذ القانون بشكل أفضل بقدر ما تكرس ما يُعرف في الفقه الحقوقي الدولي بـ “الأثر التجميدي” Chilling Effect في المجال العام الرقمي .[38] فمن خلال دمج قوانين تنظيم الفضاء الرقمي بقوانين الإرهاب، وإحالة الأفراد إلى محاكم الجنايات بتهم تمويل الإرهاب على خلفية تعبيرهم الرقمي الإبداعي، يتلقى المستخدمون من هذا المشهد رسالة مفادها أن الفضاء الرقمي لم يعد مساحة آمنة للتعبير، وأن أي محتوى رقمي يمكن إعادة تصنيفه قانونيًا ليتحول إلى حكم قضائي سالب للحرية، مما يدفع المجتمع نحو ممارسة الرقابة الذاتية الصارمة وإخلاء الفضاء الرقمي من أي مضمون نقدي.

خلاصة دراسة الحالة

تُبرهن دراسة حالة أشرف عمر على الدور المتكامل لآليات الرصد والضبط الرقمي والذي يؤدي عمليًا إلى تقييد حرية التعبير، حيث يتكامل دور الأجهزة الرقابية والأمنية في تتبع المحتوى البصري المنشور والفحص الجنائي للمحتوى غير المنشور المخزن رقمياً، مع العزل الإجرائي للمتهم عبر رقمنة عملية تجديد الحبس الاحتياطي، مع الصياغات القانونية التي بإدراج البيانات والمعلومات الفنية الرقمية باعتبارها أدوات لتمويل الإرهاب.

دراسة الحالة الثالثة: عبد الخالق فاروق (الإطار القانوني والإجرائي للتتبع الرقمي وحجية الأدلة الرقمية)

تطرح القضية رقم 4027 لسنة 2025 جنح الشروق، والمقيدة برقم 4937 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، والتي شهدت احتجاز الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، إشكاليات قانونية وتقنية تتعلق بمحددات المعالجة الإجرائية لأنشطة النشر الرقمي المتخصص، حيث تقدم القضية حالة استخدمت فيها الآراء والنصوص البحثية المنشورة عبر الفضاء الرقمي إلى مادة مسوغة للملاحقة الجنائية. وتوضح الحالة التعارض بين تقنيات التتبع الرقمي الاستباقي وبين الضمانات الدستورية والدولية لحرية التعبير والبحث العلمي.[39]

آليات التتبع الرقمي للمحتوى

تأسست البنية الإجرائية للدعوى على عمليات الرصد الرقمي للحساب الشخصي المسمى Abdelkhalek Farouk على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك. ومن الناحية التقنية، تُظهر محاضر الاستدلال والتحريات اعتماد جهات الضبط على تقنيات مراقبة المصادر العلنية، وتتبع البصمة الرقمية للأنشطة البحثية المنشورة علنًا.

وتظهر الإشكالية القانونية بالنظر إلى آلية تكييف التتبع الفني، حيث ركزت التحريات الرقمية على رصد المحتوى التحليلي الاقتصادي، والذي شمل منشورات ومقالات نصية مثل المقال بعنوان “العاصمة الإدارية نموذجاً للانحرافات في الأولويات” ومقاطع مرئية مسجلة مثل المقطع  بعنوان “مصر مخترقة سياسيًا واقتصاديًا”، باعتبار أن نشرها يمثل مادة صالحة لإحداث آثار مادية عامة. كما اعتمدت التحريات على تفسير إجرائي يعتبر أن النشر على حساب فيسبوك بشكل متاح للعامة وبدون تفعيل خاصية حجب المنشورات لغير المتابعين يُشكل ركناً من أركان العلانية وإرادة النشر الواسع المؤثم بموجب المادتين 80 (د)/1 و102 مكرر/1 من قانون العقوبات. وتشير هذه الممارسات إشكالية تتعلق بكيفية الفصل بين تداول المعلومات علانية في الفضاء الرقمي وبين النقاش العلمي المحمي بموجب الضمانات الدستورية.[40]

المعالجة الفنية للأدلة الرقمية وسلسلة الحيازة الرقمية

تبع الرصد الرقمي القبض على فاروق نفاذًا لإذن النيابة العامة، وجرى أثناء عملية القبض التحفظ على معدات تقنية تشمل حواسب آلية ووحدات تخزين إلكترونية flash memory. وأسفر الفحص الفني عن استخراج ملفات نصية مخزنة محليًا بصيغ رقمية مختلفة (.pdf و .word)، تمثل مسودات ورقية لكتب ودراسات غير منشورة، منها مسودة كتاب بعنوان “كيف نهبت مصر”، وملفات توثيقية أخرى.

وتطرح هذه التدابير إشكالية جوهرية ترتبط بسلسلة الحيازة الرقمية ومدى اتساقها مع الضوابط الواردة في القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، حيث جاءت أدلة الإثبات الرقمية المقدمة في الدعوى في صورة لقطات شاشة، ومخرجات ورقية مطبوعة للمنشورات، جرى إرفاقها كمستندات مادية ثابتة.

وتتكرر في هذه الممارسات الإشكالية القانونية السالف ذكرها في أن الاكتفاء بالصور الضوئية المأخوذة من شبكة الإنترنت دون إجراء فحص فني متكامل يتتبع ويوثق مسار الحيازة الرقمية يفتح الباب للتشكيك القانوني في مدى كفاية هذه المخرجات كأدلة حاسمة في القضايا الجنائية التي تتطلب يقيناً جازماً لا يحتمل اللبس أو التعديل الافتراضي.[41]

تداخل التقدير الإداري مع الخبرة الفنية المتخصصة وحق الدفاع:

أحيل فارق للمحاكمة الجنائية ارتكازاً على معايير تقييمية مستحدثة للمحتوى الرقمي، حيث استندت جهات التحقيق في تحديد “أوجه الكذب” أو “المغالطة” في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية المنشورة من قِبل المتهم إلى خطاب رسمي صادر عن “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء”، والذي قام بمخاطبة وزارتي المالية والاستثمار لتدقيق هذه البيانات.

وينطوي هذا الإجراء على إشكالية فنية وقانونية تمس ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع من وجهتين:

طبيعة جهة الخبرة: يُعد مركز المعلومات جهة تابعة إدارياً وتنظيمياً للسلطة التنفيذية، وهو ما يثير تنازعاً إجرائياً حول مدى توافر شروط الحياد الفني المطلق المطلوبة في خبير الدعوى الجنائية، خاصة عندما يكون النزاع متعلقاً بتقييم السياسات المالية والاقتصادية لتلك السلطة ذاتها.

استبعاد الخبرة القضائية المستقلة: رفضت المحكمة الاستجابة لطلبات الدفاع المتكررة بندب لجنة ثلاثية من خبراء وزارة العدل المقيدين، أو من أساتذة الاقتصاد بالجامعات المصرية، وهو ما يمثل خروجًا على المستقر عليه من أحكام محكمة النقض، وهو أنه لا يجوز للمحكمة أن تفصل في مسائل فنية بحتة، كالموازنات السيادية، وأرباح الشركات المساهمة، واتفاقيات الاستثمار الدولي، بناءً على تقارير إدارية دون تمكين الدفاع من مناقشتها عبر خبرة قضائية محايدة ومستقلة تضمن تكافؤ الفرص.

الأثر الإجرائي الممتد للنشر الافتراضي والضبط السببي

تكاملت أدوات الرصد والتحري الرقمي في هذه القضية أيضًا بالاعتماد على بلاغات المواطنين المتزامنة والمتطابقة، حيث شملت أوراق القضية سيلًا من بلاغات المواطنين، والتي استخدمت لإثبات حدوث ضرر مادي في المجتمع كنتيجة لنشر الكتابات الاقتصادية للمتهم، حيث احتوت البلاغات على ادعاءات بحدوث مشادات وتراشق بالألفاظ بين المواطنين في وسائل النقل العام كنتيجة لقراءة هذه الكتابات.

يؤدي هذا الربط الإجرائي بين منشور في الفضاء الرقمي وبين واقعة مادية مفترضة في فضاء عام عمليًا إلى خلق الرابطة السببية اللازمة لتأثيم فعل النشر نفسه، وتبرير مسار القبض والحبس الاحتياطي. وتؤدي منظومة المراقبة المتكاملة، بدءاً من التتبع الرقمي الاستباقي، مروراً بالبلاغات الأفقية والتقارير الفنية الإدارية، ووصولًا إلى العقوبة الجنائية السريعة، إلى تكريس الأثر الرجعي التجميدي. ويمتد في هذه الحالة كذلك إلى الحقل الأكاديمي والبحثي، حيث يخلق بيئة يمكن أن تدفع الباحثين والمحللين إلى تبني رقابة ذاتية صارمة، خشية تحول قراءاتهم التحليلية للمؤشرات الرسمية إلى أدلة جنائية.[42]

خلاصة دراسة الحالة

تُظهر دراسة الجوانب الإجرائية والتقنية في حالة الخبير الاقتصادي “عبد الخالق فاروق” نموذجًا متكاملًا لكيفية تعامل المنظومة القانونية والقضائية مع أنشطة النشر الرقمي للكتابات والأعمال البحثية المختصة، حيث يكشف المسار الإجرائي للدعوى عن الاعتماد المتزايد على تقنيات التتبع الرقمي الاستباقي للمصادر العلنية، وتحويل المخرجات الافتراضية عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أدلة إثبات مادية دون استكمال الفحص التقني اللازم لتوثيق سلسلة الحيازة الرقمية وفق الضوابط الفنية المعتمدة قانوناً.

كما تتبدى في هذه الحالة إشكالية جوهرية تتعلق بتداخل التقارير التقييمية الصادرة عن الأجهزة التنفيذية، مثل مركز معلومات مجلس الوزراء، مع أعمال الخبرة القضائية المحايدة، مما يضع تحديات إجرائية أمام حق الدفاع في مناقشة وبحث المحتوى، محل النزاع، بشكل متكافئ أمام المحكمة. كما تظهر القضية التكامل بين منظومة الرصد الرقمي والبلاغات الأفقية الجماعية في إنتاج أثر ردعي تجميدي يمتد إلى الحقل البحثي والأكاديمي.

دراسة الحالة الرابعة: أمنية سويدان (آليات التتبع الرقمي وحجية الأدلة الافتراضية في المحاكم الاقتصادية)

تطرح القضية رقم 457 لسنة 2026 جنح اقتصادية باب شرقي، والمقيدة برقم 94 لسنة 2026 حصر جرائم اقتصادية، نموذجًا يوضح تداخل آليات الرصد الرقمي الاستباقي مع البيئة الإجرائية للنيابات والمحاكم المتخصصة في مصر.

وتكتسب هذه الحالة أبعاداً أكاديمية وقانونية خاصة بالنظر إلى طبيعة المتهمة، كطبيبة امتياز سابقة بمستشفيات جامعة الإسكندرية، وطبيعة المحتوى الرقمي محل النزاع، حيث تحول التعبير عن رأي نقدي مهني وخدمي منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ملف القضية إلى مادة خاضعة للتأثيم الجنائي بموجب التشريعات الرقمية المستحدثة، مما يفتح باباً لإعادة النظر في التكييف الإجرائي للتتبع التقني ومدى اتساقه مع الضمانات الدستورية لحماية حرية التعبير وتقييم المرافق العامة.[43]

الهندسة الرقمية للبلاغ وآليات التتبع الرقمي للمصادر العلنية

بدأت الدعوى ضد سويدان ببلاغ رسمي مقدم من الممثل القانوني لإدارة مستشفيات جامعة الإسكندرية إلى قسم تكنولوجيا المعلومات بمديرية أمن الإسكندرية. وارتكز البلاغ على رصد وتتبع منشور مكتوب باللغة العربية ومتاح للعامة عبر الحساب الشخصي المسمى “Omneya Sweidan” على منصة “فيسبوك”. ومن الناحية التقنية، أظهرت محاضر الضبط والاستدلال اعتماد جهات الرصد الفني بالكامل على فحص المعرفات الرقمية للحساب والروابط الإلكترونية المباشرة URLs لتأكيد نسبة البصمة الرقمية للمتهمة وثبوت حيازتها الافتراضية للمنصة.[44]

وتتمحور الإشكالية القانونية في هذا النطاق حول آلية تكييف الألفاظ المنشورة رقميًا، حيث انصب التتبع الرقمي على رصد منشور طويل يتضمن انتقادات حادة لإدارة الأزمات والتعامل المهني والإداري مع طبيبات الامتياز والمريضات داخل قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي. واحتوى المنشور على عبارات اعتبرتها جهات الفحص مثيرة للفساد وتكدير السلم العام مثل وصف مستشفى الشاطبي بـ “المكان الموبوء” وسرد تفاصيل تتعلق بنقص الرعاية ونمط الإدارة المعيب داخل أروقتها.

ومن الناحية الإجرائية، اعتمدت النيابة العامة على تقرير التتبع الفني كدليل على توافر ركن “العلانية الافتراضية”، مستندة إلى أن كون الحساب متاحًا للعامة وبدون تفعيل خاصية حجب المنشورات لغير الأصدقاء يُعد قرينة قضائية على توافر القصد الجنائي لإذاعة ونشر تلك الأخبار على أوسع نطاق ممكن، وهو تكييف يثير الجدل حول حدود العلانية في الفضاء الافتراضي مقارنة بالفضاء المادي التقليدي.

التنازع الموضوعي بين التشهير الرقمي وحرية النقد المهني للمرفق الصحي

اعتمد قرار نيابة الشئون الاقتصادية بالإسكندرية بإحالة القضية إلى المحكمة على تكييف الواقعة بوصفها جنحة تعمد إذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير السلم العام وإلقاء الرعب بين الناس، مقترنة بجريمة إنشاء حساب على شبكة المعلومات الدولية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا، والتشهير الإلكتروني بالمرافق العامة للدولة. وينطوي هذا التكييف على تعارض قانوني وموضوعي مع الضمانات الدستورية من وجهتين متكاملتين:

طبيعة البنية النصية للمحتوى: مثلت العبارات الواردة في منشور المتهمة سرداً لخبرات وتجارب مهنية وعملية مرت بها أثناء فترة تدريبها الإلزامي داخل مستشفى الشاطبي الجامعي، مما يخرجها فقهيًا وقضائيًا من نطاق التشهير العمدي المدفوع بسوء النية، ويدخلها في إطار نقد المرفق العام بهدف تصويب أوجه القصور الإداري والخدمي، وهو نشاط محمي بموجب القواعد القضائية التي تبيح نقد أداء المرافق الصحية والخدمية، متى التزم بحدود المصلحة العامة.[45]

التوسع الإجرائي في تقدير الآثار المادية: يمثل إسباغ تهمة “تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس” على منشور ينتقد آليات التدريب والتعامل الإداري والطبي داخل أقسام مستشفى الشاطبي الأثر العملي للصياغات الواسعة ومتعددة المعاني الواردة في القوانين المتعلقة بالضبط الرقمي، حيث أدت عمليًا من خروج النزاع من الإطار المهني والنقابي أو الإداري المناسب إلى المحاكم الجنائية الاقتصادية.

التسارع الإجرائي والأثر الردعي التجميدي في البيئة الرقمية والمهنية

شهدت القضية تسارعًا إجرائيًا لافتًا، حيث جرى فحص البلاغ من قسم تكنولوجيا المعلومات، واستجواب المتهمة، وإصدار أمر الإحالة للمحاكمة العاجلة أمام محكمة الجنح الاقتصادية خلال مدى زمني وجيز للغاية من تاريخ تحرير المحضر. يساهم هذا التسارع الإجرائي في تكريس حالة الأثر الردعي التجميدي، حيث يمكن قراءة التسارع باعتباره يعكس رغبة مؤسسية في ردع أنشطة النشر الإلكتروني التي تنتقد كفاءة القطاعات الخدمية الرسمية،[46] مما قد يحفز مناخ الرقابة الذاتية داخل الأوساط الخدمية والقطاعات الخدمية خوفًا من الملاحقة القضائية الرقمية.[47]

خلاصة دراسة الحالة

تُبرز المعالجة التقنية والإجرائية في قضية الطبيبة “أمنية سويدان” إشكاليات السياسة الإجرائية المتبعة في التعامل مع نشر الرأي المهني عبر الفضاء الرقمي، حيث تكشف دراسة الحالة عن آلية فنية تقتصر على رصد الروابط والمعرّفات الرقمية الظاهرية لحسابات التواصل الاجتماعي فور تحريك الشكاوى المؤسسية، دون توسيع الفحص التقني لبيان الحدود الفاصلة بين الحسابات الشخصية والنطاقات التداولية للمجموعات المهنية المغلقة، وهو ما يضع تحديات إجرائية أمام كفاية الدليل الجنائي في المواد الاقتصادية.

وتظهر الحالة أيضًا تسارعًا إجرائيا حتى الوصول للإحالة للمحاكمة، وكيف يساهم ذلك تكريس أثر ردعي تجميدي يدفع المهنيين ومقدمي الخدمات نحو تبني رقابة ذاتية صارمة، مما يقوض إمكانية التقييم الشفاف لكفاءة المرافق الخدمية بالدولة.

خاتمة البحث

تخلص هذه الدراسة في ختامها إلى أن التطور المتسارع في آليات المراقبة والضبط الجنائي المتعلقة بالفضاء الرقمي قد أفرز واقعاً قانونيًا وإجرائيًا شديد التعقيد، حيث تتداخل فيه اعتبارات حماية الأمن العام والحفاظ على الصورة المؤسسية للمرافق  العامة، مع الضمانات الدستورية الأصيلة لحرية التعبير، والبحث العلمي، والنقد المهني.

وأثبت التحليل البنيوي والإجرائي لحالات الدراسة وجود اتجاه مطرد نحو التوسع في التكييف الجنائي للمحتوى النقدي الرقمي، حيث أمكن عمليًا تكييف الكتابات النقدية والأعمال الفنية، أو الأطروحات التحليلية للسياسات الاقتصادية، أو الانتقادات المهنية الموجهة لإدارة المرافق الخدمية، كجرائم تمس “أمن الدولة” أو تُشكل جرائم اقتصادية رقمية، وذلك بالاستناد إلى صياغات قانونية واسعة ومتعددة المعاني، مثل الخاصة بتجريم “تكدير السلم العام” و”إذاعة الأخبار الكاذبة”.

كما كشف البحث عن فجوة فنية ومنهجية في تعاطي جهات الضبط والخبرة الفنية مع “الدليل الرقمي”، حيث يغلب الاعتماد على الرصد الظاهري للمعرفات واستخراج لقطات الشاشة كأدلة إدانة، دون الاستيثاق التقني العميق من “سلسلة الحيازة الرقمية” أو استبعاد فرضيات الاختراق والتلاعب والمحاكاة الساخرة، وهو ما يخل بمبدأ اليقين الجنائي الذي تُبنى عليه الأحكام.

ويوضح البحث كيف تكرس منظومة المراقبة الرقمية عملية لإنتاج أثر ردعي تجميدي واسع النطاق، يدفع الأفراد نحو تبني رقابة ذاتية صارمة، بشكل قد يعزل مؤسسات الدولة ومرافقها عن الرقابة المجتمعية الفاعلة.

توصيات البحث

بناءً على ما تقدم من نتائج وتحليلات، تقدم الدراسة حزمة من التوصيات الموجهة للمشرع المصري والجهات القضائية والتنفيذية، مقسمة على النحو الآتي:

أولاً: على المستوى التشريعي

ضبط الصياغات التجريمية الواسعة: ضرورة التدخل التشريعي لتضييق المفاهيم الواردة في قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، مثل تكدير الأمن العام، وإلقاء الرعب، وإهانة مؤسسات الدولة، وربطها باشتراط تحقق ضرر مادي ومباشر وجسيم، لمنع انسحابها على أنشطة النقد المباح والبحث الأكاديمي.

تشريع حماية المبلغين والمنتقدين: إقرار نصوص قانونية واضحة تسبغ حماية إجرائية على الكوادر المهنية والعمالية التي ترصد وتنتقد أوجه القصور داخل المرافق العامة، كالمستشفيات والجامعات، باعتبار ذلك جزءًا من حق الرقابة الشعبية والمصلحة العامة، وإخراج هذا النقد المباح من دائرة التشهير الجنائي.

ثانياً: على المستوى القضائي والإجرائي

إرساء معايير صارمة لحجية الدليل الرقمي: تبني المحاكم الجنائية والاقتصادية ونيابات أمن الدولة لمبدأ قضائي حاسم يُسقط الحجية الجنائية عن الصور الضوئية ولقطات الشاشة المستمدة من الإنترنت، ما لم تكن مدعومة بفحص فني رقمي شامل للخوادم وسجلات الدخول IP Logs، تأكيداً لقاعدة أن الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين لا على الافتراض التقني.

الفصل بين التقييم الإداري والخبرة الفنية: وقف الاعتماد على التقارير الصادرة عن الأجهزة التنفيذية والإدارية، كمركز معلومات مجلس الوزراء أو الإدارات القانونية للمستشفيات، كأدلة فنية في الدعاوى، وقصر ذلك على لجان الخبراء المستقلة، لضمان حياد التقرير الفني وعدم تداخل صفتي الخصم والخبير.

ثالثاً: على المستوى الفني والتقني

الالتزام بالمعايير القياسية للتحقيق الرقمي: إلزام أقسام تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية بتطبيق المواصفات الدولية في جمع الأدلة الرقمية، مثل مواصفة ISO/IEC 27037، والتي تشترط توثيق البصمة الرقمية Hash Value، وتتبع النطاقات التداولية للمجموعات المغلقة لبيان سياق النشر الحقيقي، بدلًا من الاكتفاء بالروابط الظاهرية URLs.

تأسيس دوائر فنية متخصصة للتمييز بين الاختراق والنشر العمدي: تعزيز قدرات جهات الفحص لتقديم تقارير حاسمة تفرق فنيًا بين إدارة الحسابات الشخصية، وبين تقنيات المحاكاة وتزييف الهوية spoofing التي قد تستخدم للإيقاع بالمعارضين والباحثين في فخ الملاحقات القانونية.

[1] فوكو، ميشيل؛ المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، مركز الإنماء القومي، بيروت، الفصل الثالث (البانوبتيكية)، 240-218.

[2] شميت، كارل؛ اللاهوت السياسي: أربعة فصول في مفهوم السيادة، ترجمة روجيه الخوري، دار النهار، بيروت، الفصل الأول (تعريف السيادة)، ص 17-27.

[3] فهمي، خالد؛ كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، دار الشروق، القاهرة، الفصل السادس (الانضباط)، ص 285-328.

[4] جمهورية مصر العربية؛ قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.

[5] جمهورية مصر العربية؛ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

[6] جمهورية مصر العربية؛ قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015.

[7] جمهورية مصر العربية؛ المرسوم بقانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم أعمال الخبرة أمام جهات القضاء.

[8] جمهورية مصر العربية؛ دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 المعدل.

[9] الأمم المتحدة؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، المادتان 17 و19.

[10] مؤسسة حرية الفكر والتعبير (AFTE)؛ تقرير حقوقي: "فضاءات محاصرة: الرقابة والملاحقة الأمنية للمحتوى الرقمي في مصر"، القاهرة، ص 12-25.

[11] جمهورية مصر العربية؛ القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الجريدة الرسمية، العدد 35 مكرر (ب).

[12] منصة "المنصة" وموقع "مدى مصر"؛ تقارير صحفية استقصائية مشتركة: "بين الحجب الإداري والملاحقة القضائية: كيف تُدار رقابة الإعلام في مصر"، أكتوبر ونوفمبر 2023. https://scm.gov.eg/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AD%D8%AC%D8%A8-%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9-%D9%85%D8%AF%D9%89-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A5%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%AA/

[13] 28 منظمة مجتمع مدني تدين استمرار حجب موقع المنصة وتدعو السلطات المصرية لرفع الحجب عن عشرات المواقع الإخبارية https://afteegypt.org/advocacy/2022/08/02/31748-afteegypt.html

[14] منصة "صحيح مصر"؛ بيان رسمي من فريق التحرير: "بشأن استدعاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بخصوص تقارير معلوماتية"، منشور في يوليو 2023.

[15] جمهورية مصر العربية؛ قرار النائب العام رقم 565 لسنة 2020 بشأن إنشاء وحدة الرصد والتحليل بمكتب النائب العام.

[16] مكتب النائب العام المصري؛ بيان النيابة العامة بشأن القضية رقم 22 لسنة 2020 حصر تحقيق النيابة الكلية (قضايا فتيات التيك توك)، مايو 2020.

[17] جمهورية مصر العربية؛ القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات، الجريدة الرسمية، العدد 10 مكرر.

[18] جمهورية مصر العربية؛ القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الجريدة الرسمية، العدد 32 مكرر (أ).

[19] جمهورية مصر العربية؛ القانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب، الجريدة الرسمية، العدد 33 مكرر (ب).

[20] جمهورية مصر العربية؛ المرسوم بقانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم أعمال الخبرة أمام جهات القضاء، وتعديلاته باللوائح المنظمة.

[21]  مؤسسة مسار لمجتمع رقمي (Masaar)؛ ورقة بحثية بعنوان: "الأثر التشريعي لعدم تطبيق ضوابط الدليل الإلكتروني"، منشورة على الموقع الرسمي للمؤسسة، تاريخ الاطلاع: يونيو 2026، متاح عبر الرابط: [https://masaar.net/ar/الأثر-التشريعي-لعدم-تطبيق-ضوابط-الدلي/](https://masaar.net/ar/الأثر-التشريعي-لعدم-تطبيق-ضوابط-الدلي/)

[22] اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018

[23] المادة 135 من قانون الإثبات المصري رقم 25 لسنة 1968

[24] جمهورية مصر العربية؛ قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته، المطبعة الأميرية، المادة (30) و(41)

[25] القضية رقم 662 لسنة 2021 جنح قصر النيل (المتهم فيها المخرج مؤمن حسن اتهاماً بالترويج لارتكاب فعل إرهابي عبر شبكة المعلومات الدولية

[26] (محكمة النقض المصرية؛ الدائرة الجنائية، الطعن رقم 882 لسنة 81 قضائية، جلسة 21 سبتمبر 2011. (تأصيل قاعدة أن التلبس حالة تلازم الجريمة لا شخص المتهم وبطلان الاستيقاف المبتدئ).

[27] محكمة النقض المصرية؛ الدائرة الجنائية، الطعن رقم 19285 لسنة 86 قضائية، جلسة 5 نوفمبر 2018. (ببطلان تفتيش الهواتف المحمولة والمستودعات الرقمية للأفراد دون إذن قضائي مسبق).

[28] جمهورية مصر العربية؛ دستور جمهورية مصر العربية المعدل لسنة 2014، الجريدة الرسمية، العدد 3 مكرر (أ)، الصادر في 18 يناير 2014، المادة (57)




[29] جمهورية مصر العربية؛ قانون الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، المادة (30).

[30] محكمة النقض المصرية؛ الدائرة الجنائية، الطعن رقم 4520 لسنة 83 قضائية، جلسة 12 مارس 2014. (شروط الاستيقاف القانوني وتهافت التلبس المصطنع).

[31] جمهورية مصر العربية؛ القانون رقم 151 لسنة 2020 بإصدار قانون حماية البيانات الشخصية، الجريدة الرسمية، العدد 28 مكرر (هـ)، الصادر بتاريخ 15 يوليو 2020، المواد (2، 3، 4).

[32] محكمة النقض المصرية، الدائرة الجنائية، الطعن رقم 11322 لسنة 87 قضائية، جلسة 16 مارس 2019، مجموعة أحكام محكمة النقض، المكتب الفني، السنة 70.

[33] حول المفهوم النظري لـ "الرقابة الاستباقية" كأداة لهندسة المجال العام السيبراني وتمدد السلطوية الرقمية، راجع:Jones, M. O. (2022). Digital Authoritarianism in the Middle East: Deception, Disinformation and Social Media. Oxford University Press.

[34] لبيان كيفية توظيف الرقابة الرقمية كأداة للسيطرة على الفضاء العام الإلكتروني والحد من حرية التعبير في إطار تنامي السلطوية الرقمية، راجع:Diamond, L. (2019). The Road to Digital Unfreedom: The Threat of Postmodern Totalitarianism. Journal of Democracy, 30(1), 20–24.

[35] حول اشتراطات سلامة الدليل الرقمي وسلسلة الحيازة (Chain of Custody) عند التعامل مع الأدلة الإلكترونية، راجع:Casey, E. (2011). Digital Evidence and Computer Crime: Forensic Science, Computers, and the Internet (3rd ed.). Academic Press.

[36] حول حماية الخصوصية الرقمية والضوابط التي يفرضها القانون الدولي لحقوق الإنسان على تفتيش الأجهزة الإلكترونية والوصول إلى البيانات الرقمية المخزنة عليها، راجع:United Nations Human Rights Council. (2014). The right to privacy in the digital age: Report of the Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (A/HRC/27/37).

[37] فيما يتعلق بالأصول الافتراضية، تُعرّف مجموعة العمل المالي (FATF) مفهوم "Virtual Assets" وتضع إطارًا تنظيميًا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبط بها، بما يميزها عن البيانات أو المحتويات الرقمية التي لا تمثل بطبيعتها أصولًا مالية أو وسائل للقيمة الاقتصادية، راجع:

Financial Action Task Force (2021). Updated Guidance for a Risk-Based Approach to Virtual Assets and Virtual Asset Service Providers

[38] حول التأصيل الأكاديمي لمفهوم "الأثر الردعي" (Chilling Effect)، وكيف يمكن للمراقبة الرقمية أو الإدراك بوجودها أن يدفع الأفراد إلى الرقابة الذاتية وتقليص مشاركتهم في النقاش العام، راجع:Penney, J. W. (2016). Chilling Effects: Online Surveillance and Wikipedia Use. Berkeley Technology Law Journal, 31(1), 117–182.

[39] "...الفقرات (21–25) المتعلقة بانطباق حماية حرية الرأي والتعبير على وسائل الاتصال الرقمية، وبالشروط الدولية التي يجب توافرها عند فرض أي قيود قانونية على التعبير عبر الإنترنت."United Nations Human Rights Committee. (2011). General Comment No. 34: Article 19: Freedoms of Opinion and Expression. CCPR/C/GC/34.

[40] بشأن الحماية الدستورية لحرية البحث العلمي والحق في مناقشة السياسات العامة، راجع:

الدستور المصري الصادر عام 2014 المعدل، المادة (65) الخاصة بحرية الفكر والرأي، والمادة (23) الخاصة بكفالة حرية البحث العلمي.




[41] ألزم القانون المصري ولائحته التنفيذية باتباع ضوابط فنية تضمن سلامة الدليل الرقمي والمحافظة على أصالته وإمكان التحقق من عدم العبث به، وهي الضوابط التي تتفق في جوهرها مع ما يعرف في الفقه الجنائي الرقمي بمفهوم "سلسلة الحيازة الرقمية" (Chain of Custody)، كما شرحه Casey في مرجعه.

[42] بشأن التأصيل النظري لمفهوم "الأثر الردعي" (Chilling Effect)، وكيف يمكن للتهديد بالملاحقة القانونية أو القوانين الغامضة أن يدفع الأفراد إلى الرقابة الذاتية والإحجام عن ممارسة حرية التعبير، راجع:

Schauer, F. (1978). Fear, Risk and the First Amendment: Unraveling the "Chilling Effect". Boston University Law Review, 58(5), 685–732




[43] حول معايير حرية التعبير الإلكتروني وحظر التوسع في التجريم السيبراني، راجع:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة (19) بشأن حرية الرأي والتعبير وإشاعة المعلومات عبر الحدود




[44] حول المعايير الدولية المنظمة للتعرف على الأدلة الرقمية وجمعها واستخراجها وحفظها، بما يكفل الحفاظ على سلامتها وإمكان التحقق من أصالتها، راجع: ISO/IEC 27037:2012 – Guidelines for Identification, Collection, Acquisition and Preservation of Digital Evidence.

[45] النجار، عماد عبد الحميد. (1977). النقد المباح: دراسة مقارنة. القاهرة: دار النهضة العربية.

[46] "قد يثير التعجيل بإحالة المتهم إلى المحاكمة، إذا ترتب عليه حرمانه من الوقت أو التسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، إشكالًا في ضوء ضمانات المحاكمة العادلة المقررة بالمادة 14(3)(ب) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية."

[47] راجع مصدر 45
زر الذهاب إلى الأعلى